فصل: فصل أَيْنَ لَقِيَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَائِشَةَ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ عُمْرَةِ التّنْعِيمِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: زاد المعاد في هدي خير العباد (نسخة منقحة)



.التّعْلِيلُ لِتَرْكِ الدّعَاءِ بَعْدَ الْعَقَبَةِ:

وَلَمْ يَرْمِهَا مِنْ أَعْلَاهَا كَمَا يَفْعَلُ الْجُهّالُ وَلَا جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ وَقْتَ الرّمْيَ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ. فَلَمّا أَكْمَلَ الرّمْيَ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا، فَقِيلَ لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ وَقِيلَ وَهُوَ أَصَحّ: إنّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَرَغَ الرّمْيُ وَالدّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، وَهَذَا كَمَا كَانَتْ سُنّتُهُ فِي دُعَائِهِ فِي الصّلَاةِ إذْ كَانَ يَدْعُو فِي صُلْبِهَا، فَأَمّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، فَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَعْتَادُ الدّعَاءَ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَإِنْ رُوِيَ فِي غَيْرِ الصّحِيحِ أَنّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَدْعُو بِدُعَاءٍ عَارِضٍ بَعْدَ السّلَامِ وَفِي صِحّتِهِ نَظَرٌ. رِيبَ أَنّ عَامّةَ أَدْعِيَتِهِ الّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا، وَعَلّمَهَا الصّدّيقَ إنّمَا هِيَ فِي صُلْبِ الصّلَاةِ وَأَمّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ: لَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ: اللّهُمّ أَعِنّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِك، وَحُسْنِ عِبَادَتِك فَدُبُرُ الصّلَاةِ يُرَادُ بِهِ آخِرُهَا قَبْلَ السّلَامِ مِنْهَا، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ السّلَامِ كَقَوْلِهِ تُسَبّحُونَ اللّهَ وَتُكَبّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ الْحَدِيثُ. وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فصل مَيْلُ الْمُصَنّفِ بِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَمَى قَبْلَ الصّلَاةِ:

وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي، هَلْ كَانَ يَرْمِي قَبْلَ صَلَاةِ الظّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا؟ وَاَلّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظّنّ أَنّهُ كَانَهُ يَرْمِي قَبْلَ الصّلَاةِ ثُمّ يَرْجِعُ فَيُصَلّي، لِأَنّ جَابِرًا وَغَيْرَهُ قَالُوا: كَانَ يَرْمِي إذَا زَالَتْ الشّمْسُ فَعَقّبُوا زَوَالَ الشّمْسِ بِرَمْيِهِ. وَأَيْضًا، فَإِنّ وَقْتَ الزّوَالِ لِلرّمْيِ أَيّامَ مِنًى، كَطُلُوعِ الشّمْسِ لِرَمْيِ يَوْمِ النّحْرِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ النّحْرِ لَمّا دَخَلَ وَقْتُ الرّمْيِ لَمْ يُقَدّمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عِبَادَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَيْضًا فَإِنّ التّرْمِذِيّ وَابْنَ مَاجَهْ، رَوَيَا فِي سُنَنِهِمَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا: كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشّمْسُ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ: قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلّى الظّهْرَ. وَقَالَ التّرْمِذِيّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ التّرْمِذِيّ الْحَجّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، وَفِي إسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنّهُ كَانَ يَرْمِي يَوْمَ النّحْرِ رَاكِبًا، وَأَيّامَ مِنًى مَاشِيًا فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ.

.فصل وَقَفَاتُ الدّعَاءِ فِي الْحَجّ:

فَقَدْ تَضَمّنَتْ حَجّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سِتّ وَقَفَاتٍ لِلدّعَاءِ. الْمَوْقِفُ الْأَوّلُ عَلَى الصّفَا، وَالثّانِي: عَلَى الْمَرْوَةِ، وَالثّالِثُ بِعَرَفَةَ، وَالرّابِعُ بِمُزْدَلِفَةَ، وَالْخَامِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى، وَالسّادِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثّانِيَةِ.

.فصل خُطْبَتَا مِنًى:

وَخَطَبَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ بِمِنًى خُطْبَتَيْنِ خُطْبَةً يَوْمَ النّحْرِ وَقَدْ تَقَدّمَتْ وَالْخُطْبَةَ الثّانِيَةَ فِي أَوْسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ فَقِيلَ هُوَ ثَانِي يَوْمِ النّحْرِ وَهُوَ أَوْسَطُهَا، أَيْ خِيَارُهَا، وَاحْتَجّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَرّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ، قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُول: «أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالَتْ وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي تَدْعُونَ يَوْمَ الرّءُوسِ. قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ: «هَذَا أَوْسَطُ أَيّامِ التّشْرِيقِ. هَلْ تَدْرُونَ أَيّ بَلَدٍ هَذَا؟» قَالُوا: اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ». ثُمّ قَال: «إنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا، أَلَا وَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، حَتّى تَلْقَوْا رَبّكُمْ فَيَسْأَلَكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلْيُبَلّغْ أَدْنَاكُمْ أَقْصَاكُمْ أَلَا هَلْ بَلّغْتُ» فَلَمّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى مَاتَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ثَانِي يَوْمِ النّحْرِ بِالِاتّفَاقِ. وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عيْدَةَ الرّبَذِيّ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السّورَةُ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ} عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ وَعُرِفَ أَنّهُ الْوَدَاعُ فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ وَاجْتَمَعَ النّاسُ فَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ ثُمّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي خُطْبَتِهِ.

.فصل تَرْخِيصُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ بِالْمَبِيتِ خَارِجَ مِنًى وَبِجَمْعِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ فِي أَحَدِهِمَا:

وَاسْتَأْذَنَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ. وَاسْتَأْذَنَهُ رِعَاءُ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا. قَالَ مَالِكٌ: ظَنَنْتُ أَنّهُ قَالَ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا، ثُمّ يَرْمُونَ يَوْمَ النّفْرِ. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَخّصَ لِلرّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا، وَيَدَعُوا يَوْمًا فَيَجُوزُ لِلطّائِفَتَيْنِ بِالسّنّةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى، وَأَمّا الرّمْيُ فَإِنّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ بَلْ لَهُمْ أَنْ يُؤَخّرُوهُ إلَى اللّيْلِ فَيَرْمُونَ فِيهِ وَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَإِذَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ رَخّصَ لِأَهْلِ السّقَايَةِ وَلِلرّعَاءِ فِي الْبَيْتُوتَةِ فَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ مَرِيضٌ يَخَافُ مِنْ تَخَلّفِهِ عَنْهُ أَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا تُمْكِنُهُ الْبَيْتُوتَةُ سَقَطَتْ عَنْهُ بِتَنْبِيهِ النّصّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَاللّهُ أَعْلَمُ.

.فصل أَيْنَ لَقِيَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَائِشَةَ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ عُمْرَةِ التّنْعِيمِ:

وَلَمْ يَتَعَجّلْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي يَوْمَيْنِ بَلْ تَأَخّرَ حَتّى أَكْمَلَ رَمْيَ أَيّامِ التّشْرِيقِ الثّلَاثَةِ وَأَفَاضَ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ بَعْدَ الظّهْرِ إلَى الْمُحَصّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ، فَوَجَدَ أَبَا رَافِعٍ قَدْ ضَرَبَ لَهُ فِيهِ قُبّةٍ هُنَاكَ وَكَانَ عَلَى ثَقَلِهِ تَوْفِيقًا مِنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ثُمّ نَهَضَ إلَى مَكّةَ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ لَيْلًا سَحَرًا، وَلَمْ يَرْمُلْ فِي هَذَا الطّوَافِ، وَأَخْبَرَتْهُ صَفِيّةُ أَنّهَا حَائِضٌ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ فَقَالُوا لَهُ إنّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلْتَنْفِرْ إذًا وَرَغِبَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ تَلِك اللّيْلَةَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَأَخْبَرَهَا أَنّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ أَجْزَأَ عَنْ حَجّهَا وَعُمْرَتِهَا، فَأَبَتْ إلّا أَنْ تَعْتَمِرَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَأَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا لَيْلًا ثُمّ وَافَتْ الْمُحَصّبَ مَعَ أَخِيهَا، فَأَتَيَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَغْتُمَا؟ قَالَتْ نَعَمْ فَنَادَى بِالرّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَلَ النّاسُ ثُمّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصّبْحِ. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ. فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا الّذِي فِي الصّحِيحِ أَيْضًا؟ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ نَرَ إلّا الْحَجّ... فَذَكَرْت الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ يَرْجِعُ النّاسُ بِحَجّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجّةٍ؟ قَالَ أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكّةَ؟ قَالَتْ قُلْتُ لَا. قَالَ فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إلَى التّنْعِيمِ، فَأَهِلّي بِعُمْرَةٍ ثُمّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُمَا تَلَاقَيَا فِي الطّرِيقِ وَفِي الْأَوّلِ أَنّهُ انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ فَلَمّا جَاءَتْ نَادَى بِالرّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ. ثُمّ فِيهِ إشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهَا: لَقِيَنِي وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا، أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنْ كَانَ الْأَوّلُ فَيَكُونُ قَدْ لَقِيَهَا مُصْعِدًا مِنْهَا رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ، وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا لِلْعُمْرَةِ وَهَذَا يُنَافِي انْتِظَارَهُ لَهَا بِالْمُحَصّبِ. قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ: الصّوَابُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنّهَا كَانَتْ مُصْعِدَةً مِنْ مَكّةَ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ لِأَنّهَا تَقَدّمَتْ إلَى الْعُمْرَةِ وَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَتْ ثُمّ نَهَضَ إلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلَقِيَهَا مُنْصَرِفَةً إلَى الْمُحَصّبِ عَنْ مَكّةَ، وَهَذَا لَا يَصِحّ، فَإِنّهَا قَالَتْ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَصّبِ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ، فَكَيْفَ يَقُولُ أَبُو مُحَمّدٍ: إنّهُ نَهَضَ إلَى طَوَافِ مَكّةَ؟ هَذَا مُحَالٌ. وَأَبُو مُحَمّدٍ، لَمْ يَحُجّ. وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ عَنْهَا صَرِيحٌ كَمَا تَقَدّمَ فِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ النّفْرِ حَتّى جَاءَتْ فَارْتَحَلَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ الْأَسْوَدِ هَذَا مَحْفُوظًا، فَصَوَابُهُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا مُصْعِدَةٌ مِنْ مَكّةَ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ إلَيْهَا، فَإِنّهَا طَافَتْ وَقَضَتْ عُمْرَتَهَا، ثُمّ أُصْعِدَتْ لِمِيعَادِهِ فَوَافَتْهُ قَدْ أَخَذَ فِي الْهُبُوطِ إلَى مَكّةَ لِلْوَدَاعِ فَارْتَحَلَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ وَلَا وَجْهَ لِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ غَيْرُ هَذَا، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِجَمْعَيْنِ آخَرِينَ وَهُمَا وَهْمٌ:
أَحَدُهُمَا: أَنّهُ طَافَ لِلْوَدَاعِ مَرّتَيْنِ مَرّةً بَعْدَ أَنْ بَعَثَهَا، وَقَبْلَ فَرَاغِهَا، وَمَرّةً بَعْدَ فَرَاغِهَا لِلْوَدَاعِ وَهَذَا مَعَ أَنّهُ وَهْمٌ بَيّنٌ فَإِنّهُ لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يَزِيدُهُ فَتَأَمّلْهُ.
الثّانِي: أَنّهُ انْتَقَلَ مِنْ الْمُحَصّبِ إلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ خَوْفَ الْمَشَقّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي التّحْصِيبِ فَلَقِيَتْهُ وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ إلَى مَكّةَ، وَهُوَ مُصْعَدٌ إلَى الْعَقَبَةِ، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنْ الْأَوّلِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعَقَبَةِ أَصْلًا، وَإِنّمَا خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ مِنْ الثّنِيّةِ السّفْلَى بِالِاتّفَاقِ. وَأَيْضًا: فَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ. وَذَكَرَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ أَنّهُ رَجَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ إلَى الْمُحَصّبِ، وَأَمَرَ بِالرّحِيلِ وَهَذَا وَهْمٌ أَيْضًا، لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ وَدَاعِهِ إلَى الْمُحَصّبِ، وَإِنّمَا مَرّ مِنْ فَوْرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ. وَذَكَرَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْمُحَلّقِ عَلَى مَكّةَ بِدَائِرَةٍ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ فَإِنّهُ بَاتَ بِذِي طُوًى، ثُمّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمُحَصّبِ، وَيَكُونُ هَذَا الرّجُوعُ مِنْ يَمَانِي مَكّةَ حَتّى تَحْصُلَ الدّائِرَةُ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا جَاءَ نَزَلَ بِذِي طُوًى، ثُمّ أَتَى مَكّةَ مِنْ كَدَاءٍ، ثُمّ نَزَلَ بِهِ لَمّا فَرَغَ مِنْ الطّوَافِ ثُمّ لَمّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ النّسُكِ نَزَلَ بِهِ ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ وَأَخَذَ مِنْ يَمِينِهَا حَتّى أَتَى الْمُحَصّبَ، وَيَحْمِلُ أَمْرَهُ بِالرّحِيلِ ثَانِيًا عَلَى أَنّهُ لَقِيَ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُحَصّبِ قَوْمًا لَمْ يُرَحّلُوا، فَأَمَرَهُمْ بِالرّحِيلِ وَتَوَجّهَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إلَى الْمَدِينَةِ. وَلَقَدْ شَانَ أَبُو مُحَمّدٍ نَفْسَهُ وَكِتَابَهُ بِهَذَا الْهَذَيَانِ الْبَارِدِ السّمِجِ الّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ وَلَوْلَا التّنْبِيهُ عَلَى أَغْلَاطِ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَرَغِبْنَا عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ. وَاَلّذِي كَأَنّك تَرَاهُ مِنْ فِعْلِهِ أَنّهُ نَزَلَ بِالْمُحَصّبِ وَصَلّى بِهِ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ثُمّ نَهَضَ إلَى مَكّةَ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْلًا، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا إلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمُحَصّبِ، وَلَا دَارَ دَائِرَةً فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ: عَنْ أَنَسٍ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصّبِ ثُمّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ وَفِي الصّحِيحَيْنِ: عَنْ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ ثُمّ قَالَتْ حِينَ قَضَى اللّهُ الْحَجّ وَنَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا بِالْمُحَصّبِ فَدَعَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ اُخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ، ثُمّ اُفْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، ثُمّ ائِتيَانِي هَاهُنَا بِالْمُحَصّبِ. قَالَتْ فَقَضَى اللّهُ الْعُمْرَةَ وَفَرَغْنَا مِنْ طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُحَصّبِ. فَقَالَ فَرْغْتُمَا؟ قُلْنَا: نَعَمْ. فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَمَرّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ ثُمّ ارْتَحَلَ مُتَوَجّهًا إلَى الْمَدِينَةِ فَهَذَا مِنْ أَصَحّ حَدِيثٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَدَلّهِ عَلَى فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ التّقْدِيرَاتِ الّتِي لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْهَا، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنّ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا، فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ.

.هَلْ التّحْصِيبُ سُنّةٌ؟:

وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ فِي التّحْصِيبِ هَلْ هُوَ سُنّةٌ أَوْ مَنْزِلُ اتّفَاقٍ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْحَجّ فَإِنّ فِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى: نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ. يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصّبَ وَذَلِك أَنّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ أَلّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ حَتّى يُسَلّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَصَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إظْهَارَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَكَانِ الّذِي أَظَهَرُوا فِيهِ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةَ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَ التّوْحِيدِ فِي مَوَاضِعِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالشّرْكِ كَمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدُ الطّائِفِ مَوْضِعَ اللّاتِ وَالْعُزّى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصّبَ، وَذَلِك أَنّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ، تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطّلِبِ، أَلّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ حَتّى يُسَلّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَصَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إظْهَارَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَكَانِ الّذِي أَظَهَرُوا فِيهِ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةَ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَ التّوْحِيدِ فِي مَوَاضِعِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالشّرْكِ كَمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدُ الطّائِفِ مَوْضِعَ اللّاتِ وَالْعُزّى. قَالُوا: وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ ابْنِ عُمَرَ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، كَانُوا يَنْزِلُونَهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَرَى التّحْصِيبَ سُنّةً. وَقَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُصَلّي بِهِ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَهْجَعُ وَيُذْكَرُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ ذَلِك وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ ابْنُ عَبّاسٍ، وَعَائِشَةُ إلَى أَنّهُ لَيْسَ بِسُنّةٍ وَإِنّمَا هُوَ مَنْزِلُ اتّفَاقٍ فَفِي الصّحِيحَيْنِ: عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، لَيْسَ الْمُحَصّبُ بِشَيْءٍ، وَإِنّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: عَنْ أَبِي رَافِعٍ لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَنْزِلَ بِمَنْ مَعِي بِالْأَبْطَحِ وَلَكِنْ أَنَا ضَرَبْتُ قُبّتَهُ ثُمّ جَاءَ فَنَزَلَ. فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ بِتَوْفِيقِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِهِ نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، وَتَنْفِيذًا لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَةً مِنْهُ لِرَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
فَصْلٌ:
هَاهُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ هَلْ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ أَمْ لَا؟ وَهَلْ وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْوَدَاعِ، أَمْ لَا؟ وَهَلْ صَلّى الصّبْحَ لَيْلَةَ الْوَدَاعِ بِمَكّةَ أَوْ خَارِجًا مِنْهَا؟

.هَلْ دَخَلَ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيْتَ؟:

فَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى، فَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ وَيَرَى كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ أَنّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ الْحَجّ اقْتِدَاءً بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَاَلّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ سُنّتُهُ أَنّهُ لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ وَإِنّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ فَفِي الصّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ حَتّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ، فَدَعَا عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ فَجَاءَهُ بِهِ فَفَتَحَ فَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُسَامَةُ، وَبِلَالٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ مَلِيّا، ثُمّ فَتَحُوهُ. قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَبَادَرْتُ النّاسَ فَوَجَدْتُ بِلَالًا عَلَى الْبَابِ. فَقُلْت: أَيْنَ صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ قَالَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدّمَيْنِ. قَالَ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلّى وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا قَدِمَ مَكّةَ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَاتَلَهُمْ اللّهُ أَمَا وَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطّ. قَالَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلّ فِيهِ فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ دُخُولَيْنِ صَلّى فِي أَحَدِهِمَا، وَلَمْ يُصَلّ فِي الْآخَرِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ النّقْدِ كُلّمَا رَأَوْا اخْتِلَافَ لَفْظٍ جَعَلُوهُ قِصّةً أُخْرَى، كَمَا جَعَلُوا الْإِسْرَاءَ مِرَارًا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَجَعَلُوا اشْتِرَاءَهُ مِنْ جَابِرٍ بَعِيرَهُ مِرَارًا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَجَعَلُوا طَوَافَ الْوَدَاعِ مَرّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِهِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ. وَأَمّا الْجَهَابِذَةُ النّقّادُ فَيَرْغَبُونَ عَنْ هَذِهِ الطّرِيقَةِ وَلَا يَجْبُنُونَ عَنْ تَغْلِيطِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنْ الْغَلَطِ وَنِسْبَتُهُ إلَى الْوَهْمِ قَالَ الْبُخَارِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمّةِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ بِلَالٍ لِأَنّهُ مُثْبِتٌ شَاهِدَ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ ابْنِ عَبّاسٍ. وَالْمَقْصُودُ أَنّ دُخُولَهُ الْبَيْتَ إنّمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، لَا فِي حَجّهِ وَلَا عُمَرِهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى: أَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عُمْرَتِهِ الْبَيْتَ؟ قَالَ لَا. وَقَالَتْ عَائِشَةُ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيّبُ النّفْسِ ثُمّ رَجَعَ إلَيّ وَهُوَ حَزِينُ الْقَلْبِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ إنّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنّي لَمْ أَكُن فَعَلْتُ إنّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْعَبْتُ أُمّتِي مِنْ بَعْدِي فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنّهُ كَانَ فِيهِ حَجّتُهُ بَلْ حَقّ التّأَمّلِ أَطْلَعَكَ التّأَمّلُ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ وَاللّهُ أَعْلَمُ وَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأَمَرَهَا أَنْ تُصَلّيَ فِي الْحِجْرِ رَكْعَتَيْنِ.